السبت , مارس 23 2019
الرئيسية / آراء وتحليلات / “عايدة إيمان قولييفا”.. مستشرقة بدرجة عاشقة للعربية

“عايدة إيمان قولييفا”.. مستشرقة بدرجة عاشقة للعربية

أبوبكر أبوالمجد الباحث المتخصص في الشؤون الآسيوية

عايدة إيمان قولييفا.. هي أحد أهم رواد علم الاستشراق في العالم، والتي أسهمت أبحاثها العلمية، وأعمالها الأدبية بشكل كبير في وضع حجر الأساس لدمج الفكر الفلسفي العربي بالعالمي، حيث أطلعت العالم الغربي على اللغة العربية والأدب العربي الحديث والثقافة العربية بموهبتها العلمية ونشاطها الاجتماعي الكبير، فمدت جسورًا من العلاقات والتواصل بين العالم العربي والعالم الغربي، فكشفت عن كنوز الأدب العربي، وأزالت الكثير من المجهول عن الفكر والثقافة العربية.

مولدها

ولدت عايدة إيمان قولييفا في باكو في العاشر من أكتوبر 1939 ، لعائلة نبيلة لها مكانة رفيعة في تاريخ الحركة النسائية في أذربيجان، حيث كان والدها كاتب وصحفي بارز، وأحد أهم مؤسسي وسائل الإعلام في أذربيجان، الأمر الذي ساعدها علي الاتجاه إلي الانفتاح علي الثقافة والأدب العربي، فكانت أول امرأة أذربيجانية تعمل في مجال علم الاستشراق، فتفوقت في في هذا المجال حتي صارت أحد أهم رواد ذلك العلم، ومن ثم تبوأت مكانة مرموقة بين زملائها في هذا االمجال.

مناصبها

شغلت إيمان قولييفا، منصب مدير معهد الدراسات الشرقية التابع للأكاديمية الوطنية للعلوم، كما أنھا كانت أول امرأة تحصل على درجة الدكتوراة في علم اللغة، وأول باحثة في أدب المهجر في أذربيجان، وكانت عضوًا في جمعية المستشرقين، وعضوًا بمجلس التنسيق في بحث ودراسة الأدب الشرقي في الاتحاد السوفيتي.

الأدب العربي

ازدهر الأدب العربي في مطلع القرن العشرين بشكل واسع، وكان له مساهمات وأثر كبيرين في تقدم الآداب العالمية، حيث اهتم الأدب العربي بالجوانب الروحية والأخلاقية لدي الإنسان، كما اهتم بالمثل العليا والقيم السامية والرقي بالنفس البشرية، لذلك اتصل انتشر الأدب العربي وزاد الاهتمام به من قبل العالم الغربي، خاصة بعد ازدهار الأدب العربي في المهجر.

اسهاماتها

قدمت عايدة إيمان قولييفا اسهامات ھائلة في مجال انتشار ودراسة اللغة والثقافة العربيتين والأدب العربي، باعتبارها أكاديمية مرموقة لها تأثير علمي كبير في هذا المجال، ومثالا مشرفًا لمدرسة علماء الاستشراق، الأمر الذي جعلها مشاركًا دائمًا في مختلف المحافل الدولية، بعد أن سخرت جُلَّ جهودها العلمية لموضوعات البحث في تاریخ الأدب العربي والشرقي وعلوم اللغة العربية.

واهتمت عايدة إيمان قولييفا بدراسة أدب المهجر وهي صاحبة كتاب “أعلام الأدب العربي الجديد دراسة في أدب رواد مدرسة المهجر” المترجم للعربية.

أدب المهجر

وأدب المهجر ازدهر علي نطاق واسع، وكان له مدرسة أدبية تعرف بهذا الاسم “أدب المهجر”، حيث اهتمت تلك المدرسة بإظهار الجوانب الرومانسية في الأدب العربي، والتي لم تكن معروفة من قبل، وكان ذلك دافعاً لأن تولي الأكاديمية عايدة إيمان قولييفا اهتمامًا علي التطور الفلسفي للرومانسية العربية الجديدة، ومن ثم فهم ومعرفة الأدب العربي الجديد، والكشف عن البعد الإنساني في الأدب العربي الحديث، وتوضيح الاتجاه الجديد للأدب العربي في الابتعاد عن القوالب التقليدية، والابداع في ظهور الرومانسية الأدبية شعرًا ونثرًا.

إبداعها

ويحسب للدكتورة قولييفا، أنها كانت مستشرقة تخوض بالمنهج العلمي الرصين عن التأثير المتبادل والروابط الأدبية المتبادلة بين الثقافات الشرقية العربية والغربیة، فقد قدمت بالبحث والتحليل البرهان علي تطور الأسلوب الإبداعي، وظھور اتجاھات أدبية جديدة، وكان لهذا أثر كبير في وجود قواسم مشتركة للبحث في التوجه الجديد للأدب العربي، حيث انعكس إبداع الأدباء العرب في المهجر وفي مقدمتهم ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران، الذين أسسوا “رابطة القلم” في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان لهم بصماتهم الواضحة علي نشأة الرومانسية في الأدب العربي الحديث.

قدمت عايدة إيمان قولييفا العديد من الدراسات والأبحاث في مختلف فروع الأدب العربي منها “ميخائيل نعيمة ورابطة القلم، جبران خليل جبران، شخصيات بارزة في الأدب العربي الحدیث “، كما كتبت أكثر من 70 مقالة علمية ، منها قضايا فقه اللغة العربية، قضایا علم لغة الشرق، قضایا الشرق: التاريخ والحداثة، دور الروابط الأدبية في تشكيل الأدب العربي الجديد”، ومحررًا علمیًا للعديد من الكتب والمقالات العلمية، ومترجمة ومؤلفة مشاركة لكتاب “الإنسان والطائر”، وإلي جانب هذه الاسهامات العلمية الكبيرة عملت علي ايصال رسالتها العلمية إلي طلابها من خلال عملها أستاذة للأدب العربي وعلم اللغة في كلية الاستشراق بجامعة أذربيجان الحكومية، حيث كثر طلابها الدارسين للغة العربية وآدابها، وظهر هذا جليا خلال إشرافها علي أكثر من عشرة رسائل علمية نال بها دارسوها درجات علمية بين ماجستير ودكتوراه، وهذا بفضل جهودها في تقديم هذا العلم في صورة رائعة محببة للدراسين.

حظيت عايدة إيمان قولييفا بشهرة كبيرة كشخصية علمية بارزة في الدراسات العربية، بفضل ما تمتعت به من موھبة علمية كبيرة، وقدرة في الدفاع عن وجهات نظرھا العلمية، وشخصيتها المليئة بالنشاط والحيوية، وما تمتعت به من قدرات وملكات النبوغ واللباقة وحسن التصرف، والاجتهاد والاخلاص في العمل، الأمر الذي أكسبها احترامًا واسعًا في الأوساط العلمية والاجتماعية، هذا إلي جانب كونها امرأة محبة ومهتمة بمحيطها العائلي والاجتماعي، مما جعلها قادرة علي زرع تلك الملكات الإبداعية في نفوس ابنتيها الاثنتان، السیدة الأولى في أذربيجان مهربان علييفا، نائب رئيس الجمهورية، ورئيسة صندوق حيدر علييف، وسفيرة النوايا الحسنة لليونسكو والإيسيسكو، والسيدة نرجس باشاييفا رئيسة فرع باكو لجامعة موسكو الحكومية والاستاذة في علم اللغة، واللتان تواصلان المساھمة في الحفاظ على التراث الثقافي والعلمي لأذربيجان، من أجل استكمال ما بدأته الأم من إثراء للحياة العلمية والثقافية والاجتماعية، ليس في أذربيجان وحسب، بل في العالم أجمع.

رحلت رائدة علم الاستشراق عايدة إيمان قولييفا، عن عالمنا في 19 سبتمبر 1992، واليوم وبعد مرور خمسة وعشرون عامًا علي رحيلها تظل ذكراها محفورة في ذاكرة الجميع من أسرتها وطلابها وزملائها ومجتمعها والأوساط العلمية كافة، بفضل ما قدمته من علم وإثراء للمعرفة ومد جسور التواصل بين الشرق والغرب.

شاهد أيضاً

النمسا.. 1920 اعتداءً عنصرياً في 2018

كشف تقرير حديث ارتفاع الاعتداءات العنصرية في النمسا العام الماضي إلى ألف و920، بينما كانت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *