الخميس , نوفمبر 26 2020
الرئيسية / أفرو آسيوي / حكومة “حمدوك” السودانية.. أزمات مستمرة ومنح مرتقبة

حكومة “حمدوك” السودانية.. أزمات مستمرة ومنح مرتقبة

من تظاهرات السودان

كتب- أبوبكر أبوالمجد

محاصرة هي السودان كأنه قدر.. تارة بالاضطرابات الداخلية وتارة بالجراد، وأخيرًا بأزمة سد النهضة والأزمة الاقتصادية المتفاقمة بسبب الحصار الاقتصادي الذي فرضته عليها واشنطن، بعد وضعها على قوائم الإرهاب التي رفعت منها مؤخرًا؛ لكن يتمنى محبو السودان أن يكون ذلك صالحًا لعودة السودان كلاعب فاعل في محيطها الإفريقي، وفي نهضة تمد المواطن السوداني بسبل الحياة المقبولة لا الرغدة.

الحصار الاقتصادي

عقب إعلان الرئيس السوداني الأسبق جعفر محمد نميري، ما أطلق عليه النظام آنذاك “قوانين الشريعة الإسلامية” في سبتمبر 1983م، يعيش السودان في عزلة سياسية واقتصادية بدأتها الولايات المتحدة الأمريكية.

وعندما قامت ثورة الإنقاذ في 30 يونيو 1989م، زادت وتيرة الحصار وزيدت مرة أخرى في عام 1990م، إثر موقف الخرطوم من غزو العراق لدولة الكويت، وانضمت دول الخليج العربي وبعض الدول الغربية لهذا الحصار الذي أصبح أكثر إيلامًا، خاصة بعد إعلان الولايات المتحدة في العام 1997م، تشديد الحصار الاقتصادي على السودان.

ومنذ 11 سبتمبر ظل السودان يعاني من سياسات الولايات المتحدة، والتي وضعت حكومة الخرطوم على قائمة الدول التي يمكن محاصرتها اقتصاديًا، وتفاعل معها عدد من دول المنطقة، وبسبب ذلك خسر السودان مليارات الدولارات، حيث تأخر استغلال البترول السوداني لأكثر من 15 عامًا، وانفصل جنوب السودان في يوليو 2011م، الذي كان نفطه يمد السودان بأكثر من سبعة مليارات دولار سنويًا.

وساهمت واشنطن في تأجيج الصراع في جنوب كردفان والنيل الأزرق بالإضافة إلى دارفور المشتعلة من البداية.

وأثر الحصار على الجوانب المختلفة للاقتصاد السوداني، فقد تأثر القطاع المصرفي الذي اضطر للتعامل مع السماسرة الدوليين والسوق السوداء، بدلًا من أن يتعامل عبر النظام المالي العالمي، مما زاد من تكلفة السلع التي تستوردها السودان للشعب، وكذلك أثرت على القطاع الخاص، الذي تعرض قطاع عريض منه للإفلاس.

وخسرت البنوك جزءًا كبيرًا من رأسمالها وأرباحها وزبائنها داخل السودان وخارجه الذين نفروا عن التعامل مع البنوك السودانية خوفًا من الولايات المتحدة التي تمثل ثلث السوق المالي العالمي وربع الاقتصاد العالمي.

كذلك قلت تحويلات السودانيين العاملين بالخارج، من حوالي ثلاثة مليارات دولار سنويًا هبطت إلى أقل من مائة مليون دولار!

وأصبح المغتربون يتعاملون مع تجار العملة وتجار الشنطة وتجار السوق السوداء ويسلمون عملتهم الصعبة في بلد المهجر ويتسلم ذووهم بالعملة المحلية في الداخل، مما أفقد الجهاز المصرفي واحدًا من أهم مصادره للعملات الصعبة.

وأدى ذلك إلى انخفاض احتياطي البنك المركزي من العملات الأجنبية، مما أقعده عن إعمال سياسته النقدية، الأمر الذي أدى إلى انتعاش السوق السوداء، وإلى المضاربة في العملات الصعبة التي قفز سعرها بصورة جنونية وما زالت ترتفع.

بطبيعة الحال أدى كل هذا إلى ارتفاع أسعار العديد من السلع، بسبب انخفاض قيمة الجنيه السوداني، خاصة السلع المستوردة، وعلى رأسها الدواء.

وتدهورت الصناعات القائمة في السودان بسبب الحصار، ولم تستطع الدولة تطوير الصناعات الجديدة وانشغلت بالحروب في ربوع البلاد

كل ذلك أدى إلى تبني الحكومة لسياسات تقشفية, فرفعت الدعم عن بعض السلع مما أدى إلى ارتفاع سعر المحروقات والخبز والمواصلات وغيرها بصورة كبيرة.

وما حدث في الصناعة طال الزراعة، وهو القطاع الذي يعتمد عليه أغلب السودانيين.

فقد ارتفعت أسعار واردات الإنتاج الزراعي، وذلك بسبب انخفاض قيمة الجنيه السوداني، من جانب، ومن جانب آخر بسبب شراء الواردات عبر الوسطاء ومن السوق السوداء وبسبب تخوف البنوك من التعامل مع السودان وتم رفع أسعار التأمين، مما أدى إلى زيادة التكلفة وعجز السودان عن سد النقص الناتج عن التكنولوجيا الغربية في مجال الزراعة والري والثروة الحيوانية.

كذلك أثر الحصار على قطاع الخدمات فتأثر قطاع الفنادق، فأغلقت بعض الفنادق العريقة مثل المريديان والهيلتون أبوابها وانخفضت السياحة الغربية للسودان.

وتأثر قطاع النقل والمواصلات، فتوقفت السكك الحديدية بسبب عجز الدولة عن توفير قطع الغيار اللازمة لتشغيل المحركات، الأمر الذي أدى إلى عجز السكة الحديدية عن القيام بدورها في التنمية الاقتصادية.

وسرى التأثير أيضا إلى النقل البري والنهري والجوي والبحري.

وتعرض النقل الجوي إلى أزمة حادة فحدثت أكثر من عشرة حوادث طيران وتآكلت الخطوط الجوية السودانية “سودانير” التي كانت تسيطر على الأجواء الأفريقية ولم يبق منها إلا طائرة واحدة تعمل وأخرى متعطلة بسبب المقاطعة.

صندوق النقد الدولي

تأثر السودان أيضًا بسبب سيطرة أميركا علي المؤسسات المالية الدولية، فهي التي تسيطر على البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبرامج الأمم المتحدة واليونسكو ومنظمة التجارة العالمية التي قدم السودان طلبه للانضمام إليها منذ العام 1994 وإلى الآن لم يقبل.

وفي كل مرة تظهر متطلبات جديدة وراءها أمريكا، كذلك مجموعة نادي باريس بالإضافة إلى المنظمات الإقليمية وذلك من خلال قوتها التصويتية والسياسية والعسكرية.

كل هذا حرم السودان من القروض والمنح والهبات رغم أنه استوفى شروط ذلك كما أن السودان استوفى شروط إعفاء الدين الذي بلغ الآن أكثر من 42 مليار دولار, وبرغم ذلك قوبل طلبه للإعفاء بالرفض مما أدى إلى زيادة العبء على المواطن.

وقررت الولايات المتحدة في 12 أكتوبر 2017، رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية على الخرطوم، بعد فرضها لمدة 20 عامًا متواصلة، على خلفية مزاعم دعم الخرطوم لـ”الإرهاب”، لكن القرار لم يجر تنفيذه.

وفي مارس الماضي قررت وزارة الخارجية الأمريكية إنهاء كافة العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان، في خطوة من شأنها أن تعطي دفعة للاقتصاد السوداني.

وأعلن محافظ بنك السودان المركزي، بدر الدين عبدالرحيم إبراهيم، أن البنك المركزي تلقى خطابا من مدير مكتب العقوبات بوزارة الخارجية الأمريكية  عبر وزارة الخارجية.

وأفاد الخطاب بتأكيد انتهاء كافة أشكال العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان، بموجب الأمرين التنفيذيين 13067 و13412، الصادرين منذ 12 أكتوبر2017.

وأشار إبراهيم أنه بموجب إلغاء الأمرين فقد تم رفع العقوبات عن 157 مؤسسة سودانية، ولم يتبق ضمن العقوبات سوي بعض الأفراد والمؤسسات المرتبطين بالأحداث في دارفور.

ويشير الخطاب إلى أن ذلك ليس له أي علاقة بمسألة التحويلات البنكية، هذا فضلا عن ثلاثة روابط تشير إلى انتهاء العقوبات عن 157 مؤسسة سودانية بتاريخ 12 أكتوبر2017.

وقام بنك السودان المركزي بمخاطبة المصارف السودانية والمراسلين بذلك، كما قام بمخاطبة بعض المصارف المركزية بالدول العربية لتنشيط علاقات المراسلة المصرفية تعظيما للمنفعة المشتركة، حسب ما أشار بيان من البنك المركزي.

بعد الرضى الأمريكي، ورفع العقوبات، لم يكن بد لصندوق النقد الدولي من التعاطي سريعًا مع الأماني السودانية، في محاولة تبدو عسيرة جدًا لإنقاذ الوضع الاقتصادي المتردي في البلاد، والمعرّض لخطر الانهيار في ظل نسبة تضخم تفوق 100%، ومعاناة من نقص الخبز والوقود والعقاقير.

فأمس الثلاثاء، أعلن صندوق النقد الدولي في بيان، عن توصله إلى اتفاق مع السودان بشأن الإصلاحات الهيكلية لسياسات الاقتصاد الكلي التي ستدعم برنامجًا مدته 12 شهرًا، يخضع لمراقبة الصندوق.

وكان السودان قال في بداية يونيو إنه بدأ محادثات مع صندوق النقد بشأن برنامج غير ممول، مما يمهد الطريق أمام الحصول على دعم مالي دولي.

وقال الصندوق اليوم إن السودان قدم حزمة تشمل “إصلاح دعم الطاقة لإيجاد مجال لزيادة الإنفاق على البرامج الاجتماعية”.

وعقد فريق من صندوق النقد بقيادة دانيال كاندا اجتماعات افتراضية مع السلطات السودانية من الثامن حتى 21  يونيو لبحث حزمة الإصلاحات التي قدمتها.

ونقل بيان الصندوق عن كاندا قوله في نهاية مهمة الفريق “السلطات السودانية وفريق صندوق النقد الدولي توصلوا إلى اتفاق.. بشأن السياسات والإصلاحات التي يمكن أن تدعم برنامجاً يراقبه الصندوق، وذلك في انتظار موافقة إدارة صندوق النقد ومجلسه التنفيذي”.

الدول المانحة

وليس بعد اتفاق الخرطوم مع الصندوق غير الدول المانحة بطبيعة الحال، حيث تعلق الحكومة السودانية آمالاً على مؤتمر لمانحين محتملين في برلين الأسبوع الجاري.

ومن المقرر أن يشارك في المؤتمر الذي يُعقد عن بعد في برلين يوم الخميس (25 يونيو 2020)، ويستمر ليوم واحد، حكومات غربية ومؤسسات مالية دولية ودول خليجية ثرية منتجة للنفط.

كورونا والجراد

يحيط السودان العديد من الأزمات الداخلية، ليس أسوأها الوضع الاقتصادي المتردي، وإنما انتشار فيروس كورونا، والذي ترك أثره الاقتصادي على دول العالم كلها، وما أسهل أن يكون أثره أكثر سوءًا في السودان، في ظل أوضاع صحية ومعيشية صعبة من الأساس.

فانتشار جائحة كورونا، التي استأثرت بموارد الكثير من المانحين، سيضاف إليها أسراب الجراد التي تتكاثر في كينيا المجاورة للسودان والتي يُتوقع أن تهاجر إلى الشمال، حيث السودان وأثيوبيا في غضون أسابيع قليلة مقبلة.

ورحب كثيرون باتفاق تقاسم السلطة بين المدنيين الذين نظموا احتجاجات ضخمة والجيش الذي يتمتع بالنفوذ وساهم في الإطاحة بالبشير.

لكن المانحين امتنعوا عن تقديم مساعدات وأرجأوا “مؤتمر أصدقاء السودان” أكثر من مرة للمطالبة بإصلاحات مثل إلغاء دعم الوقود الذي يُقدر أنه يتكلف ما يزيد عن ثلاثة مليارات دولار سنويًا.

وقال محللون ودبلوماسيون إنه يتعين على الخرطوم أن تطبق المزيد من الخطوات المهمة لإصلاح الاقتصاد إذ تسيطر شخصيات عسكرية على الشركات الرئيسية التي تدر دخلًا بالعملة الصعبة مثل تصدير الذهب.

وقالت عائشة البرير منسقة الحكومة السودانية للمؤتمر، إن مؤتمر برلين يصف المشاركين “بالشركاء” وليس المانحين، وذلك إقرارًا بأن السودان لديه موارده ويحتاج لدعم سياسي واقتصادي، وليس مساعدات مالية، وتابعت: “يعمل السودان على الإصلاح الاقتصادي للاستفادة من الموارد الذاتية”، مشيرة إلى إصلاحات في قطاع الذهب أُعلن عنها الأسبوع الماضي.

كما يخطط السودان لتسييل أو خصخصة العديد من شركات الدولة التي لا تؤدي وظيفتها.

فهل يسعف الوقت والدول المانحة مع صندوق النقد الدولي السودان، ويمنحوا حكومته المدنية قبلة الحياة؟!

فرئيس الحكومة عبد الله حمدوك، الذي يدير البلاد بموجب اتفاق انتقالي هش لتقاسم السلطة مع الجيش منذ الإطاحة بالرئيس عمر البشير في انتفاضة شعبية، قد يواجه بحسب محللين اضطرابات شعبية أو حتى انقلاب عسكري ما لم يحصل على دعم مالي في أسرع وقت.

شاهد أيضاً

بروتوكول تعاون مصري باكستاني لانتاج 5 مليون كرة سنويًا

كتب- محمد رأفت فرج في إطار التشجيع على الاستثمار في الانتاج الرياضي، وقعت شركة Forward، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *