السبت , ديسمبر 5 2020
الرئيسية / اقتصاد آسيا والعالم / القروض الصينية للدول الإفريقية.. مصيدة الاحتلال الناعم

القروض الصينية للدول الإفريقية.. مصيدة الاحتلال الناعم

كتب- أبوبكر أبوالمجد

صارت الصين في العقدين الأخيرين من أكبر المقرضين الدوليين، ويرجع ذلك للطفرة الكبيرة التي يحققها إنتاجها المحلي الإجمالي.

وتعد الدول الإفريقية من أكبر المستفيدين من هذه القروض؛ ولكن يبقى السؤال.. هل القروض الصينية مجرد إعانة لدول صديقة لها أم أن لها أهدافًا سياسية واقتصادية من ورائها وما القروض إلا مصيدة لتحقيق احتلال ناعم لهذه البلاد؟

نشاط إقراضي

بلغ حجم القروض الصينية للقارة الأفريقية فقط حوالي 180 مليار دولار عام 2018 بحسب الباحثين في جامعة “جونز هوبكنز” الأمريكية.

فلطالما كانت الجمهورية الشعبية الصينية مُقرضًا دوليًا نشطًا على مدى سبعة عقود، بيد أن السنوات العشرين الأخيرة شهدت هيمنة من الصين على عملية الإقراض الدولي، نظرًا للزيادة الكبيرة في الناتج المحلي الإجمالي لديها، إلى جانب الإستراتيجية العالمية للصين التي بدأتها في عام 1999 واستهدفت من خلالها تشجيع الاستثمارات الصينية في الخارج.

عادة ما تمنح الصين تلك القروض للدول التي تمر بأزمات مالية كـفنزويلا وإيران وزيمبابوي، دون أي إبلاغ أو مطالبات مصرفية منها تجاه تلك البلدان إلى بنك التسويات الدولية.

بينما تأخذ مطالبات الصين تجاه بقية دول العالم شكل سندات سيادية، تقوم الحكومة بإصدارها وتوجيهها للمستثمرين في الخارج بعملة غير عملتها المحلية، ومنها الدول الإفريقية وبخاصة الفقيرة منها.

وهي سياسة ذات وجهين تستهدف من خلالها الصين ما سوف نكشفه لاحقًا.

القروض الصينية لإفريقيا

تمتلك إفريقيا الكثير من الثروات التي جعلتها دائمًا مطمعًا للكثير من الدول الكبرى.

وتُمثل المواد الخام هدفًا رئيسيًّا للعديد من الدول الصناعية الكبرى، وهو ما يُبرر سعيها نحو التعاون مع القارة من خلال الشركات العابرة للقارات، وغيرها، حيث يوجد حوالي 500 شركة عالمية تعمل على استكشاف الغاز الطبيعي في جميع أنحاء إفريقيا، ولنفس المصالح اتجهت الصين بشركاتها الكبرى نحو الاستفادة من الموارد الطبيعية بالقارة بهدف تأمين قاعدة صلبة من المواد الخام لتغذية الاقتصاد الصيني سريع النمو.

وتُعد الصين النموذج الأبرز للدول التي استطاعت أن تجعل لها موطئ قدم ثابتًا ومتشعبًا في القارة الإفريقية، ولا تستطيع أي قوة عظمى أخرى أن تضاهي الوجود الصيني في إفريقيا حتى الآن.

فمنذ عام 2003 تضاعفت الاستثمارات الصينية في إفريقيا ثلاثين مرة أكثر مما كانت عليه قبل ذلك.

وفي هذا الشأن، نشرت مجلة “المصلحة القومية” مقالة للباحثين “مارك لاجون” و”راشيل سادوف” بعنوان “الولايات المتحدة الأمريكية والانتشار الصيني المكثف في إفريقيا” في مايو 2019، وفيها ينطلق الكاتبان من مقولة رئيسية مفادها أن سباق القوى العظمى داخل إفريقيا من خلال زيادة المساعدات الإنمائية أو الاستثمارات والقروض المقدمة للدول الإفريقية، ستكون له انعكاسات ليس على القارة الإفريقية فحسب، بل سيكون له تأثير كبير على المشهد السياسي والاستراتيجي والاقتصادي العالمي.

وفي السنوات الأخيرة، تعمقت العلاقات الصينية الإفريقية، وتوسَّع الوجود الصيني في إفريقيا خاصةً بعد تضمين القارة في مشروع الحزام والطريق، وفي إطار ذلك اندفعت الصين نحو دعم مشاريع البنية التحتية مع الدول الإفريقية، وترتب عليه عقد مزيد من الصفقات الاستثمارية وقروض التنمية، ممَّا تسبَّب في حالةٍ من القلق العامّ حول النوايا الصينية تِجَاه إفريقيا، خاصةً في ظل عجز بعض الدُّوَل عن سداد ديونها مع الصين.

الدوافع الصينية

استطاعت الصين على مدار أعوام زيادة حجم التبادل التجاري مع إفريقيا حتى بلغ ما يزيد عن 180 مليار دولار كأكبر شريك اقتصادي مع القارة، وهي تفوق بذلك قيمة التعاون بين روسيا وإفريقيا التي بلغت حوالي 20.5 مليار دولار عام 2018م، كما وصل حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة الأمريكية وإفريقيا في عام 2017م قيمة 39 مليار دولار.

وتسعى الصين لأن تصبح صاحبة النفوذ الاقتصادي الأول في القارة، من خلال استثماراتها في البنية التحتية، وطرح مشروع الحزام والطريق، وإنشاء مقرَّات للشركات العاملة في التنقيب والتعدين.

توسع صيني

ووفقًا للإحصاءات الصادرة عن الإدارة العامة للجمارك في الصين، في عام 2003م، تعتبر الصين الشريك الاقتصادي الأول للقارة الإفريقية، ونما التعاون الاقتصادي تدريجيًّا، فقد بلغت القيمة الإجمالية للمعاملات المتبادلة 18.5 مليار دولار حتى وصلت قيمة 204.19 مليار دولار في عام 2018م.

وتمتد استثمارات الصين في جميع قطاعات السوق، وتتركز بشكل رئيسي في المواد الخام الأولية، بسبب حاجة الصين المتزايدة إلى إمدادات مستمرة من المواد الخام.

وبالنسبة لاستثمارات الصين في البنية التحتية، تقدم الصين القوى العاملة والخبرات اللازمة، والقروض، والظروف المالية المواتية لمشاريع بناء البنية التحتية، لا سيما في مجالات رئيسية مثل المرافق والاتصالات السلكية واللاسلكية، وبناء الموانئ والنقل؛ حيث يوجد هناك ما يقرب من 1600 شركة صينية تم تأسيسها وتشغيلها في إفريقيا، وهو ما يمثل 12.9٪ من إجمالي عدد الشركات الصينية في الخارج، على سبيل المثال، الشركة الصينية للإنشاءات والهندسة (CSCEC) تتولى عقود الأشغال العامة في الجزائر، وشركة الطرق والجسور الصينية (CRBC) ومقرها الإقليمي في نيروبي، وتتنافس الشركات الصينية في مجال البناء والأشغال العامة (BPW) مع التكتلات الفرنسية مثل (Dumez) و(Bouygues) في مشاريع البنية التحتية في إفريقيا.

وأنشأت الصين منتدى التعاون الصيني الإفريقي كحجر الأساس لتوطيد العلاقات مع الدول الإفريقية، حيث يغطي عدة مجالات، مثل: التصنيع والتحديث الزراعي والبنية التحتية والخدمات المالية والتنمية الخضراء، وتيسير التجارة والاستثمار، وعلى مدار دورات انعقاده، استطاعت الصين بناء علاقات قوية مع القادة الأفارقة، والتي سمحت بزيادة حجم التبادل التجاري والاستثمار، وفي عام 2018م، وبحضور 50 رئيسًا إفريقيًّا، أكَّدت الصين على تقديم قيمة 60 مليار دولار في شكل مِنَح وقروض بهدف دَعْم فُرَص التنمية في القارة.

خطر الإقراض الصيني

في ظل المشاريع الاستثمارية التي عقدتها الصين مع الدول الإفريقية، اضطرت بعض الدول إلى الاقتراض من أجل إكمال بعض المشاريع البنية التحتية، على سبيل المثال اقترضت دول شرق إفريقيا حوالي 29 مليار دولار من الصين لمشاريع البنية التحتية والطاقة والبناء، وما يثير القلق أن بعض هذه الدول بلغت حد الديون بها نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي بشكل قد تعجز عن سدادها من بينها جيبوتي وكينيا وإثيوبيا.

جيبوتي

أقرضت الصين جيبوتي للمساعدة في مشاريع البنية التحتية؛ مثل: مشروع منطقة التجارة الحرة، وخط سكة حديد جديد بطول 756 كيلومترًا بين جيبوتي وإثيوبيا، ومساهمة لميناء حاويات جديد في جيبوتي، بالإضافة إلى ذلك، تملكت الشركات الصينية استثمارات في الأسهم في مشاريع جيبوتي وفازت بعقود إدارة في الموانئ والسكك الحديدية، كما منحت جيبوتي التجار الصينيين الإشراف على ميناء دوراليه، كما تمتلك الصين حصة 23.5% من الشركة القابضة التي تملك محطة حاويات (دوراليه) وميناء جيبوتي الجاف وميناء (دوراليه متعدد الأغراض).

ونتيجة لذلك، تعرضت جيبوتي إلى ضائقة ديون بعد أن بلغت نسبة الدَّين العام بها 104% من الناتج المحلي الإجمالي، ووصل نصيب الصين منها ما يزيد عن 85% من إجمالي الدَّيْن الخارجي، بما يشكِّل مخاطر كبيرة يمكن أن تطغى على استقلالها الاقتصادي، ولذلك سعت نحو التفاوض لأجل هيكلة القروض، وسمحت للصين التي بلغ حجم مديوناتها لدى جيبوتي 8% من الناتج المحلي، ببناء قاعدة عسكرية.

كينيا

قامت الحكومة الكينية ببناء خط سكة حديد جديد عام 2013، بطول 485كم بين نيروبي ومدينة مومباسا الساحلي، وفي ذلك اضطرت إلى الاستدانة من الصين، ونظرًا لعدم نجاح المشروع تراكمت الديون على كينيا.

وبحسب الإيكونوميست، حصلت البلاد على ما لا يقل عن 9.8 مليار دولار بين عامي 2006 و2017م، مما يجعلها ثالث أكبر مُتَلَقٍّ للقروض الصينية في إفريقيا، ويبلغ إجمالي الدَّين العام في كينيا حوالي 60 مليار دولار، بما يعادل 61% من الناتج المحلي الإجمالي.

تذهب 72٪ من جميع ديونها الخارجية إلى الصين، وترددت عدَّة مخاوف عبر وسائل الإعلام الكينية من أنَّ الصين قد تستولي على ميناء مومباسا؛ إذا تخلفت المؤسسة الوطنية للسكك الحديدية عن السداد بعد أن مرت الخمس سنوات المهلة الخاصة بالقرض، وعجزت عن السداد، وبالفعل هيمنت الصين على ميناء مومباسا.

إثيوبيا

موَّلت الصين مشروع إنشاء سكة حديد تبلغ قيمته 475 مليون دولار في العاصمة والطريق الدائري بقيمة 86 مليون دولار، وقامت ببناء خط سكة حديد إثيوبيا-جيبوتي الذي يبلغ طوله 750 كيلومترًا بتكلفة 3.4 مليار دولار، والذي تم افتتاحه في عام 2016م، وبلغت الديون الحكومية 59٪، تملك الصين حصة 50% منها، ويحذر الإثيوبيون من القروض المستقبلية من الصين وَفْق مزاعم مَيْل المقرضين إلى الحصول على ضمانات من الموارد، ونظرًا لعدم إمكانية السداد عقد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مفاوضات مع الصين لإعادة هيكلة فترة سداد القروض من 10 إلى 30 عامًا.

مصر

كانت مصر ميدانًا مهمًا لزحف الاستثمارات الصينية، حيث وقعت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة المصرية في سبتمبر 2017، اتفاقًا بين الشركة الصينية القومية لنقل الكهرباء “ستيت جريد”، لتنفيذ المرحلة الثانية من مشروع الشبكة القومية للكهرباء في مصر، وشهدت المرحلة الأولى إنشاء خطوط شبكات كهرباء جديدة بقوة 500 كيلو فولت وتكلفة 1.8 مليار دولار، وصرحت وزيرة الاستثمار المصرية سحر نصر وقتها أن (المشروع يأتي في إطار الشراكة الاستثمارية بين مصر والصين، لاستكمال جهود التعاون المميز بين وزارة الكهرباء والشركات الصينية ذات الخبرة والتكنولوجيا المتقدمة..).

وتعدّ المنطقة الصناعية الصينية “تيدا” بمنطقة خليج السويس، أحد أهمّ المشاريع الصينية في مصر التي تهدف إلى استثمار 8 مليارات دولار، إضافة إلى توفير 20 ألف فرصة عمل.

كما استحوذت الصين على عدة منجزات خاصة في العاصمة الإدارية الجديدة بالقاهرة، إذ تعكف الشركات الصينية على إنجاز بعض الإنشاءات في العاصمة الإدارية الجديدة بمصر في مساحة تبلغ 700 كيلومتر مربع. ويشمل المشروع إنجاز أعلى برجٍ في أفريقيا، و12 مبنى تجاري، وخمس وحدات سكنية، وفندقين كبيرين بعقد بلغت قيمته 3 مليارات دولار.

وكانت الجمارك الصينية قد أعلنت في مايو 2018 أن حجم التبادل التجاري بين الصين ومصر ارتفع بنسبة نحو 26% خلال الربع الأول من العام، ليصل إلى ما يقارب 3 مليار دولار مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.

ويخشى على مصر أن تقع في مصيدة الديون الصينية مثل بعض الدول التي سقطت، مع تسليمنا بثقل مصر العسكري والإقليمي؛ لكن في ظل تربص العديد من الدول الصديقة لمصر قبل العدو، ربما تلعب الصين دورًا مدفوعًا بالوكالة لحساب بعض القوى الراغبة في الصعود واحتلال مكانة مصر في الشرق الأوسط، فلا مانع من أخذ الحيطة والحذر، وتوقع كل شيء، ففي الحياة لا توجد صداقة دائمة ولا خصومة دائمة.

تجدر الإشارة

من بين أكبر 15 عميلًا للصين في أفريقيا، ثمانية منهم معرضون لخطر كبير من أزمة ديون وفقًا لصندوق النقد الدولي، حيث دعت مجموعة العشرين إلى وقف دفع رأس المال والفائدة لجميع الديون الرسمية لـ 77 دولة نامية، وانضمت الصين إلى هذا الإعلان ، وهي المرة الأولى التي تشارك فيها في تخفيف عبء الديون من الداخل بدلاً من العمل بشكل فردي.

ويخشي الممولون الغربيون، من أن الإعفاء من الديون من الغرب يؤدي ببساطة إلى سداد القروض الصينية، وتتوقع الدول الإفريقية التي تحتاج إلى تخفيف عبء الديون لتحرير الموارد للإنفاق الاجتماعي أن تشارك الصين، وسيكون من الصعب على الصين إدارة ذلك.

شاهد أيضاً

إلهام علييف: ليس لمن يبرر عمل الذين يهينون مقدسات الإسلام حق في أن ينتقدنا

زار الرئيس الأذربيجاني والقائد الأعلى للقوات المسلحة الأذربيجانية، إلهام علييف والسيدة الأولى مهربان علييفا مدينة أغدام المحررة في 23 نوفمبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *