السبت , أبريل 17 2021
أخبار عاجلة
الرئيسية / أورو آسيوي / ليسيا أوكراينكا.. أيقونة الأدب الأوكراني وضحية القمع البلشيفي وعاشقة مصر!

ليسيا أوكراينكا.. أيقونة الأدب الأوكراني وضحية القمع البلشيفي وعاشقة مصر!

آسيا اليوم ووكالات


الأدباء والمفكرون هم أعمدة الأمم، ونبع الأمل خاصة عند المحن. ليسيا أوكراينكا.. هي إحدى واهبات الأمل لأبناء شعب أوكرانيا، ولبنة رئيسية في بناء نهضتها الأدبية والفكرية والإنسانية.


وقد استعانت وزارة الصحة الأوكرانية برسم لصورة شهيرة لليسيا، أثناء محاربة الدولة لفيروس كورونا، تظهر فيه ليسيا في كمامة وتحتها عبارتها الشهيرة “ابتعدي أيتها الأفكار الحزينة”.


وهذه ليست المرة الأولى، فعند كل مشكلة تظهر ليسيا في جرافيتي، أو ملصق، أو حتى مرسومة بحجم عملاق على جدار بناء كامل، تحمل الأمل.


وكيف لا وقد واجهت بجسدها النحيل القمع البلشيفي، ولم تهب الموت في سبيل إبقاء نبض المقاومة وأمل التخلص من الاحتلال في قلوب شعب أوكرانيا، وتعد إحدى مؤسسات أنطولوجيا الشعر الأوروبي.


وتعود علاقتها بالعالم العربي إلى مصر التي جاءتها في رحلة استشفاء أنجزت خلالها العديد من أعمالها الأدبية الخالدة.


وليس غريبًا بعد ذلك أن يقام لها نصب تذكارية في مدن مختلفة، داخل أوكرانيا وخارجها، على رأس تلك المدن العاصمة كييف، وكذلك في العاصمة الروسية موسكو، وتورينتو (كندا)، وتيلافي (جورجيا)، وباكو (أذربيجان)، بالإضافة إلى الأماكن التي أقامت فيها منها بلافكا (القرم).


كما أطلق اسم ليسيا أوكرينكا على العديد من الشوارع في كييف، وموسكو، ولوتسك، وتبليسي، ومينسك، ولفيف، وأوديسا، وريفني، وخاركيف، وباتومي، وبرست، وبولتافا، ويالطا، وسيمفيروبول، ويفباتوريا، وسيفاستوبول، وإيركوتسك، وسوتشي، وجيتومير، وتشيرنيفتسي سومي، وفينيتسا، وكوفيل، وتشيركاسي، وهورليفكا، وكريمنتشوك، وهادياش، وميليتوبول، وكوبيسك، وبريبيات.


من هي؟


شاعرة وكاتبة، ومترجمة، وناشطة ثقافية.. وُلدت “لاريسا كوساتش – كفيتا” المعروفة باسم ليسيا أوكراينكا في 25 فبراير/شباط عام ١٨٧١ في مدينة زفياهيل الأوكرانية “نوفوهراد-فولينسكي حاليًا” لعائلة مثقفة.


أمها كاتبة وناشرة، والأب انصب اهتمامه على تطوير ثقافة البلاد ودعم تطوير النشر بها، وهذا ما سمح لأوكراينكا إتقان العديد من اللغات الأجنبية، بجانب العزف على البيانو ودراسة الموسيقى التي اُضطرت لقطعها بصورة مفاجئة بسبب مرض في العظام لازمها حتى وفاتها عام ١٩١٣ وهي في الأربعينات من عمرها.


توفيت مطلع أغسطس/آب 1913 في قرية سورامي في جورجيا.
ولدت ليسيا ضعيفة، وكانت مريضة طوال حياتها تقريبًا تعاني من آلام مبرحة.


شخّص الأطباء أن لديها مرض سل العظام، وتوفيت وهي في الثانية والأربعين من عمرها.
تعتبر رمزًا لأصالة أوكرانيا واستقلالها، على قدم المساواة مع كبار الأدباء والفنانين، مثل تاراس شيفتشينكو، وهريهوري سكوروفودا، وإيفان فرانكو.


خلال فترة مرضها عكفت ليسيا أوكراينكا، على قراءة الأدب وكتابة الشعر والترجمة.
وفي سن التاسعة عشرة ألفت كتاب “التاريخ القديم للشعوب الشرقية” فضلًا عن مجموعات شعرية وقصائد ملحمية ومقالات نقدية، ومسرحيات شعرية في شكل حوارات فلسفية بليغة، أشهرها “زوجة بويار”.


القصيدة الدرامية


حرمها المرض الذي حلّ بها من العزف على آلة البيانو وهي صغيرة، ثم أجريت لها عمليات جراحية في عظام اليد، وكان مصدر قوتها الكبير هو عائلة محبة متعاونة وداعمة. وفي عام ١٩٠١ فُجعت أوكراينكا، بفقد حبيبها، فوُلدت قصيدتها الدرامية “الممسوسة” وبذلك أوجدت ليسيا نوعًا أدبيًا جديدًا هو القصيدة الدرامية.


فيصعب تصوّر الليلة التي قضتها ليسيا إلى جانب حبيبها الشاب سيرغي ميرجينسكي في ليلة احتضاره، حيث كانت يسراها تحتضن يده، فيما تخط بيمناها قصيدة درامية طويلة حملت عنوان “الممسوسة”، تعتبر من القصائد الخالدة في الشعر الأوكراني.


تظهر الشاعرة في بعض الأفلام الوثائقية التي تروي عن تلك الليلة وهي تحمل القلم بيدها وأمامها مجموعة من الأوراق، والدموع تنهمر فتزيح حبر الكلمات عن مواضعه.


أما في القصيدة فلا يمكن إغفال دوافع التراث الديني التي تتوازى مع الاتجاهات الرومانسية.
ففي تدرج السرد الدرامي شعرًا، لا تتبع الشاعرة إدراكها العقلي فحسب، بل تستند إلى الإدراك الباطني، حيث لا دور تلعبه التجربة الإنسانية؛ بل يحل محلها التنوير وتعميق الشعور بروحية الفرد اللامتناهية.


وغالبًا ما يكون منطلق هذا الشعور التاريخ المروي والكتاب المقدس والفلكلور بوصفه سردًا.
في الجانب الرومانسي من شعر أوكراينكا، نجدها تلفت انتباه القارئ إلى الرجل حينًا والمجتمع حينًا آخر، من دون تقسيم شخصيات الدراما إلى رئيسية وثانوية، فظهور كل شخصية مرتبط بغرض ما في بناء النص الدرامي.


وهنا تتجسد الشخصيتان المركزيتان يسوع المسيح ومريم المجدلية، مع إسقاط غير محكيّ على اللحظة الراهنة، حيث المسيح (المسيّا) هو الحبيب المحتضر ومريم المجدلية هي الشاعرة نفسها، فتضعنا في انتظار حدث مرتقب، وهو فعل التضحية لإنقاذ العالم والخلاص عبر المحبة وفناء الحبيبة في المحبوب.


علاقتها بمصر


نالت مصر قسطًا وافرًا في أشعار ليسيا أوكراينكا، بعدما زارتها ثلاث مرات في العقد الأخير من حياتها لأسباب علاجية، فحلت في أحد مصحات مدينة حلوان، نهاية عام ١٩٠٩ للاستشفاء في مدينة حلوان، وقد تمخضت هذه الزيارات عن تجربة شعرية فريدة سجلتها الشاعرة الأوكرانية في ديوان “الربيع في مصر” لتعكس صورة نادرة لمصر وشعبها -خلال فترة الاحتلال الإنجليزي- في الأدب الأوكراني، وكيف أمكن أن يتمتع هذا الشعب بروح المرح رغم كل ما يعانيه من ألوان الشقاء والظلم، فما وجدت سوى أن هذا هبة إلهية، صاغتها ليسيا في قصيدة “هبة سرية” فقالت فيها:


بصوت شجي في حلاوة الغناء، يمتدح الباعة بضاعتهم
وهم يحملون بفخر حملهم الثقيل
كأنه تاج يستقر فوق الرؤوس الجميلة…
من أين يأتي هذا الفرح؟
أتساءل ويتخايل في رأسي
أن صوتًا خفيًا يهمس بأسطورة منسية:
(كان يا ما كان، لما ولد النيل في الصحراء وضعته أمه في مهد أخضر ثمين)
وفي قصيدة “حلم” من الديوان نفسه تصف الشاعرة مصر قائلة:
السماء صافية والجو دافئ.. أنحن في مصر؟
نعم، نحن في مصر..
حيث السماء العالية خيمة زرقاء تتلألأ بالضياء
آهٍ ما أعلاها!
كم أشعر بالحرية والفرح!
نعم، إنها مصر…
توقف أيها المسافر
توقف هنا
ولتكن نهاية ضياعك هنا


ومؤخرًا في 2017، سلط عليها الضوء للمرة الأولى في مصر، كتابًا طُبع باسمها من إصدارات دار العين (القاهرة: دار العين، 2017. 180 ص.)، تناول مختارات من أشعارها ورسائلها، وهذا العمل جاء نتاج وثمرة تعاون أوكراني – مصري؛ حيث ترجم سيرتها الدكتورة أولينا خوميتسكا، والدكتور سمير مُندي؛ وذلك بالرجوع إلى الأعمال الكاملة للشاعرة، والتي صدرت في كييف بين أعوام ١٩٧٥-١٩٧٩ في ١٢ مجلدًا.


احتوى الكتاب مقدمة تضمنت خمسة موضوعات هي: الأدب الأوكراني واللغة الأوكرانية، والنهضة المقتولة رميًا بالرصاص، وليسيا أوكراينكا في الأدب الأوكراني، والأدب الأوكراني والأدب العربي، وصورة مصر في شعر ليسيا أوكراينكا، بالإضافة إلى ثلاثة أقسام تضمنت مختارات من أشعار ليسيا أوكراينكا، ورسائلها وسيرة حياتها.
ونظمت هناك مجموعة قصائد “الربيع في مصر”.


فإلى جانب هذه المجموعة ترجمت خوميتسكا ومُندي قصيدة يعرفها الشعب الأوكراني عن ظهر قلب، كثرٌ يستمدون منها الأمل، تحمل عنوانًا لاتينيًا: Contra spem spero أي (“سآمل ولو فُقد الأمل”)، مما تقوله فيها:


في الليلة الطويلة الظلماء الدامسة
لن أغمض عينيّ ولو للحظة
بل سأبحث عن النجمة الهادية

الملكة الزاهية لليالي الحالكة.
نعم! سأضحك وسط الدموع
ووسط البلاء سأغني الأغاني
مهما يكن، ولو بلا أمل، سآمل
سوف أعيش!
ابتعدي أيتها الأفكار الحزينة.


تكريمها


وتكريمًا للكاتبة الكبيرة يحمل اسمها عدد من المؤسسات الثقافية والتعليمية، ومنها: المكتبة الرقم 268 في موسكو، جامعة أوروبا الشرقية في لوتسك، المسرح الأكاديمي الوطني للدراما الروسية في كييف، مسرح الموسيقى والدراما في دنيبرودزيرجينسك.


كما خصصت متاحف لها في كييف، نوفهراد فولينسك، يالطا، وجورجيا.


وتكريمًا لها صدرت قطعة نقد فضية تذكارية، وطوابع بريدية مختلفة، بالإضافة إلى أن ورقة النقد الأوكرانية المتداولة من فئة مئتي هريفنا التي تحمل رسمًا تطبيقيًا لها. كما تحمل واحدة من أرقى الجوائز الأدبية في أوكرانيا اسم ليسيا أوكرينكا.

شاهد أيضاً

وكالة شؤون المسجد النبوي تكثّف جهودها مع قرب حلول شهر رمضان

برهنت الجهود التي تقدمها وكالة الرئاسة العامة لشؤون المسجد النبوي والجهات الأمنية والصحية والخدمية والتطوعية على حجم الرعاية والعناية التي توليها المملكة لقاصدي المسجد النبوي الشريف والحفاظ على أمنهم وسلامتهم في ظل جائحة كورونا, والحرص على رفع مستوى الأمن الصحي والوقائي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, والمرافق التابعة والمحيطة به كافة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *