الإثنين , مايو 17 2021
الرئيسية / السلايدر / خبير في هندسة السدود: إذا تمكنت إثيوبيا من الملء الثاني فستفقد مصر والسودان الخيار العسكري وسيحمي السد نفسه

خبير في هندسة السدود: إذا تمكنت إثيوبيا من الملء الثاني فستفقد مصر والسودان الخيار العسكري وسيحمي السد نفسه

سد النهضة ليس المشكلة؛ بل منظومة سد النهضة، وثمة دور للقوى الصهيونية في بنائها، ومشروع الدلتا الجديدة لن يساهم في تعويض ما ستفقده مصر من أراض زراعية، أو مياه.


هذا ما أكده خبير هندسة السدود، د. محمد حافظ لـ”الأمة”، إضافة إلى الكثير من التفاصيل التي غابت عن أذهان المناقشين لهذه الأزمة، كالتفريق بين الاتفاقية وملاحقها، والتي يكمن فيها التفاصيل الشيطانية، وكذا الأرقام الحقيقية للتخزين وفق الدراسات، فإلى تفاصيل الحوار:


ما هي قصة سد النهضة الإثيوبي بالضبط؟


—- سد النهضة ببساطة جاءت كرد فعل من القوى الصهيونية على قراري تأميم قناة السويس وبناء السد العالي الذي اتخذهما جمال عبدالناصر، فمنذ العام 1964 وهيئة الاستصلاح الأمريكي تعمل في إثيوبيا لدراسة المنظومة الهيدروليكية، وفي هذا العام تم تقديم مقترح ببناء أربع سدود، أحدهما السد الموجود حاليًا على الحدود السودانية، ويسمى سد الحدود، وكان هذا السد مصممًا على قدرة تخزينية حوالي 11 مليار متر مكعب، أي أن النظام الصهيوني حين فكر في الإضرار بالأمن القومي المائي لم يفكر في إحداث خطر جسيم مثلما تفعل إثيوبيا اليوم.
سد النهضة بدأ في الظهور مع اتفاقية عنتيبي، فمنذ العام 2010، بدأت إثيوبيا تروج لاتفاقية تسمى عنتيبي، وهي تقول ببساطة أن كل دولة من حقها الاستفادة من المياه بقدر مساهمتها في مياه النهر، وطبعًا إثيوبيا بتساهم بـ85% من مياه النهر، وإذا قررت إثيوبيا ذلك والاستفادة بنفس حجم مساهمتها في مياه النيل، فلن يستفيدا مصر أو السودان من المياه، لأن كلا البلدين دول مصب، وبالتالي إقامة اتفاقية على هذا المبدأ فيه ظلم كامل لمصر والسودان، خاصة وأن النهر ليس فقط دولة المنبع، بل هو دولة المنبع والممر والمصب، ومجيء إثيوبيا اليوم لاختزال معنى النهر في المنبع، فهذا ظلم تاريخي وجغرافي لمصر.


فمصر لها ملكية في نهر النيل مثلها مثل إثيوبيا وفق الأعراف والمواثيق والقوانين الدولية؛ لكن إثيوبيا تريد لي عنق الحقيقة، والهيمنة على كل مقدرات المياه التي تجري في نهر النيل باعتبارها المنبع، وبالتالي تتحكم هي فتحًا وإغلاقًا في مصير كل قطرة مياه تصل لمصر، وبالتالي التحكم في القرار المصري بالكامل.


لكن البعض يرى أن ثورة 25 يناير كان لها الدور الأكبر في إنجاز هذا السد؟


—- القول بأن ثورة 25 يناير هي السبب لما آلت إليه أمور سد النهضة خطأ، حيث كان الرئيس السابق حسني مبارك والمخابرات المصرية على علم بكل تفاصيل تصميم السد على هيئته الحالية، وهذه التصاميم تم نشرها في الإعلام الإثيوبي في شهر نوفمبر 2010، أي أن جميع أجهزة الدولة المصرية كانت على علم بما تنتويه إثيوبيا قبل ثورة يناير بثلاثة أشهر.


فما الهدف الحقيقي لإثيوبيا من بناء سد النهضة؟


إثيوبيا تبحث عن تعظيم مواردها المائية في مجالات التنمية بكل تأكيد، وهذا حق لها؛ ولكن الذي يحدث اليوم أنها تستهدف ببناء سد النهضة ليس فقط التنمية لذاتها؛ ولكن تدمير حضارة أصيلة وهي الحضارة المصرية، وذلك لاعتقادات أيدولوجية تقوم على أن الحضارة المصرية خصم يجب أن يمحى.


ولذا فإن هدف إثيوبيا يتضح تمامًا أنه ليس فقط التنمية، وإنما الإضرار بالدولة المصرية، ولذا فتصميم سد النهضة أو منظومته هو تصميم عدائي.


وما دليلك على ذلك؟ وماذا تعني بوصفك تصميم عدائي؟


لو كانت إثيوبيا تبني سد النهضة بهدف التنمية فقط، لكان تصميم سد النهضة مشابهًا لبناء سد مروي، والذي يختزن 12 مليار متر مكعب، وينتج من الكهرباء حوالي 1200 ميجا وات.


لكنها صممت سد النهضة خرسانيًا والتي وفقًا لطبوغرافية المنطقة، يجب ألا تزيد سعة البحيرة الخاصة به عن 12 مليار متر مكعب، فأضافت إليه سدًا آخر هو سد السيرج، وهو سد طوله 5200 مترًا، وارتفاعه 55 مترًا، وهذا سد إضافي يساعد السد الخرساني في حجز المياه، سعة سد السيرج وحده تصل 60 مليار متر مكعب؛ بينما سعة السد الخرساني حوالي 14 مليار متر مكعب، بجمعهما يكون الناتج 74 مليار متر مكعب، بدون سد السيرج كان سد النهضة يعد سدًا صديقًا، ولكن إضافة سد السيرج هو الذي جعل من التصميم بشكل عام تصميمًا عدائيًا، لا يهدف للتنمية وإنما لتدمير أو تخريب الحضارة المصرية.


كيف ترى إذا فكرة توجيه ضربة عسكرية مركزة للسد؟


—- الضربة العسكرية لسد النهضة لن تكون نزهة، فهي ليست ضربة خاطفة يليها الرجوع إلى القواعد بسلام، وإنما ستكون حرب استنزاف طويلة، وستكون السودان في المواجهة، ولذا فإن أي تفكير في أي حرب مع إثيوبيا هو لن يضر مصر كثيرًا، وربما تتمكن مصر من كسب الحرب؛ ولكنها ستفتح جبهة طويلة الأمد تستنزف السودان، والسودان (هي اللي هتروح في الرجلين)، ولذا إذا كان هناك هدفًا عسكريًا لتدمير سد النهضة، فلا بد أن يصاحب هذا الهدف العسكري اقتحام كامل لإقليم بني شنقول، وهي المنطقة السودانية التي تحتلها إثيوبيا، ويجب تحرير إقليم بني شنقول الذي يقع فيه سد النهضة، وتحرير شعبها.


وهل سيكون للضربة تأثيرات أخرى؟


الضربة العسكرية إذا وقعت سيكون من شأنها تفكيك الدولة الإثيوبية، لأن الدولة الإثيوبية اليوم في موقف حرج جدًا، حيث تسعى جميع الأقليات فيها للانفصال عنها، ورأينا ما يجري في تيغراي، والحركة الانفصالية الخاصة بأورومو، والتي لن تشارك في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وجميع الأقليات رافضة لهيمنة العنصر الأمهري على مجريات الأمور في إثيوبيا، وهم الداعمين الأول لرئيس الوزراء آبي أحمد، وتطلعاته العدوانية ضد الدول المجاورة، ولذا فإن توجيه ضربة عسكرية قوية يتم تدمير سد النهضة فيها سيكون بمثابة منح الضوء الأخضر لهذه الأقليات بالانفصال، وربما تختفي دولة إثيوبيا بالكامل لمئات السنوات، وينشأ مكانها العديد من الدول الصغيرة في إقليم تيغراي، إقليم الأمهرة؛ لكن في النهاية الموضوع سيكون حرب استنزاف طويلة.


ولماذا كل هذا القلق من الملء الثاني؟


—- سد النهضة من الناحية العلمية يخزن أمامه 74 مليار متر مكعب من المياه، هذا هو التخزين وفق الحسابات؛ لكن التخزين الفعلي سيكون قرابة 100 مليار متر مكعب، لأن هناك فواقد كثيرة من المياه ستكون خلال الفوالق الجيولوجية، ما تسمى بعملية تشبع التربة، والبخر، ومثل هذه الأمور، إضافة إلى أنه كان من المفترض أن يبنى بارتفاع 175 متر؛ لكن لأسباب هندسية بحتة تم الاكتفاء بارتفاع 155 متر، والنقطة الأخرى أنه ليس سدًا واحدًا وإنما سدان، السد الخرساني، وسد السيرج، وخطورة سد السرج أكبر من السد الخرساني.


ولكن هذا سيمكن إثيوبيا أكثر من قدرتها على توليد الطاقة؟


—- بالنسبة لقدرته على توليد الكهرباء، فإن إثيوبيا وضعت عددًا كبيرًا من التوربينات، وادعت قدرتها على توليد 6450 ميجا وات؛ ولكن العام الماضي رفعت من 16 توربين ثلاثة توربينات، وعلى الرغم من ذلك تكون كفاءة السد في توليد الكهرباء قليلة جدًا، لأن إثيوبيا بإمكانها وضع أي عدد من التوربينات؛ ولكن هل الطاقة الكامنة في المياه تسمح بتوليد هذا الكم الذي تدعيه إثيوبيا من الكهرباء، بالقطع لا.


الحقيقة أن سد النهضة قادر على توليد 1400 ميجا وات على مدار العام؛ لكن أن يصلوا لإنتاج 6450 ميجاوات كما ادعو، أو حاليًا بعد رفع ثلاثة توربينات يكون المستهدف 5150 ميجاوات تقريبًا، فهذا لن يحدث إلا اذا امتلأت البحيرة بأكبر قدر ممكن من المياه، والوصول لأعلى منسوب للبحيرة، وهذا قد يحدث ولكن لفترة بسيطة ربما أسبوع أو أسبوعان، وبعد انخفاض الفيضان سيعود مستوى التوليد إلى الطاقة الكامنة في المياه، وهي تتراوح من 1300-2200 ميجاوات.


وفي رأيك ما هو سبب الانزعاج المصري السوداني من الممارسات الإثيوبية بشأن السد؟


—- سبب انزعاج الدولة المصرية والسودانية، أنه بمجرد ملء إثيوبيا للسد بما يقارب 100 مليار متر مكعب بالملء والفواقد، سيتسبب هذا في حرمان الدولة المصرية من قرابة 30 مليار متر مكعب من حصتها من المياه؛ لأنه بدون سد النهضة، كان سيصل لبحيرة ناصر حوالي 48.5 مليار متر مكعب، وهو متوسط التدفق الخاص بالنيل الأزرق في بحيرة ناصر.


فبحيرة ناصر يصل لها كل عام 84 مليار متر مكعب، منهم 48.5 مليار متر مكعب من النيل الأزرق، الذي يبني عليه سد النهضة، إضافة إلى 36 مليار من نهر عطبرة، والسوباط والنيل الابيض.


الـ84 مليار متر مكعب يمكن تقسيمهم كالآتي، 10 مليار فواقد، .18.5 مليار للسودان، 55.5 مليار لمصر، بسبب سد النهضة، وإذا تم التخزين، فإن تدفق الماء للبحيرة سيتراوح من 8-10 مليار متر مكعب، وبعد استكمال بناء سد النهضة أو حتى قبل استكماله سيتم بناء سدود أخرى على المرتفعات العليا، وبالتالي سد النهضة نفسه سيكون فيه كميات مياه قليلة، حيث ستخزن المياه في السدود العلوية الثلاثة والتي ينتظر بناؤها قريبًا أثناء استكمال سد النهضة.


إذا المسألة ليست سد النهضة وإنما سد النهضة وإخوانه من السدود التي ستمكن إثيوبيا من تخزين مياه ثلاث فيضانات داخل منظومة السدود الخاصة بها، وحرمان مصر والسودان من حوالي 200 مليار متر مكعب من المياه، وبعد الانتهاء تمامًا من هذه المنظومة فيمكن بسهولة منع وصول أي نقطة مياه لمصر والسودان.


ولذلك ما سوف يتم أن إثيوبيا ستضطر لضخ مياه لتشغيل التوربينات، وبالتالي ستدفق مياه خارجة من التوربينات ستختزنها السودان بطبيعة الحال، إذا لن يصل مصر أي نقطة من النيل الأزرق، وما سيتبقى لمصر هي التدفقات من عطبرة والسوباط والنيل الأبيض.


طبعا الذي يصل لمصر من هذه الأنهر حوالي 36 مليار متر مكعب، لو افترضنا ضياع 6 مليار كفاقد، سيتبقى 30 مليار يتم تقسيمهم بين مصر والسودان، وفي هذه الحالة ربما أقصى ما يمكن أن يصل لمصر هو حوالي 22 مليار متر مكعب، وفي هذه الحالة ستفقد مصر 33 مليار متر مكعب، وهذه كارثة بكل المقاييس تعني تبوير قرابة 6 مليون فدان.


لكن ثمة قرارات استباقية لمصر خاصة بتبطين الترع والمصارف والدلتا الجديدة لتعويض هذا الفقد؟


—- موضوع التبطين، والدلتا الجديدة لن يعوض مصر الـ33 مليار متر مكعب العجز.
التبطين قد يعوض مليار أو مليار ونص متر مكعب فقط من المياه، وبالنسبة لاستخدام مياه الصرف الصحي والزراعي، للدلتا الجديدة في الضبعة، وهي نفس مصادر المياه التي كان يستخدمها مزارعو الأراضي السوداء، في الدقهلية والبحيرة وغيرها، وهذا يعني أنك ستحيي أراضي صفراء وتميت أراضي سوداء، والأفضل معالجة المياه وتوفيرها للأراضي القديمة وليست الجديدة.


فتكلفة استصلاح الفدان ستحتاج حوالي 200 ألف جنيه، وتكلفة الاستصلاح كاملة لأراضي الدلتا الجديدة ستكلف حوالي 400 مليار جنيه، فلما تنفق هذا الانفاق إذا كنت ستقتل في المقابل فدان آخر في الأراضي القديمة، ولذا أنا أرى أن الحديث عن الدلتا الجديدة هو عبث كسابقه من مشروع المليون ونصف فدان!


البعض يقول بأن ثمة بنود سرية لاتفاقية المبادئ التي وقعتها مصر في 2015؟


—– اتفاقية المباديء تشبه اتفاقية عنتيبي، وخاصة البند الرابع المادة ح وط، واللتان تعطيا للإثيوبيين الحق في السيطرة على مياه النيل، وفقًا لحجم مساهمتها في مياه النيل، وهذه من الأخطاء الإستراتيجية لاتفاقية المباديء، وبنود الاتفاقية معلنة على المواقع وفي الصحف الإثيوبية والمصرية والسودانية، ولا يوجد بنود سرية، وهذه حقيقة؛ لكن الذي لم يعلن هو ملحق التفسيرات وملحق التعريفات، لذا فالتفاصيل الشيطانية في ملحق التفسيرات وملحق التعريفات.


فعلى سبيل المثال ما المقصود بسد النهضة؟ هل هو السد الخرساني أم معه سد السيرج؟


فهذه الملاحق لا يعرف عنها أحد أي شيء، لذا لم تقدم الاتفاقية حتى الآن إلى البرلمان المصري، لأن تقديمها سيلزم الرئاسة تقديم الملاحق التعريفية والتفسيرية للاتفاقية.


ثم إن أي اتفاقية لا بد أن يسبقها تفاوض قبل التوقيع، وفي نهاية التفاوض توضع في إطار ما يسمى اتفاقية وتوقيع، أما ما حدث غير ذلك تمامًا، حيث وقعت الاتفاقية دون تفاوض يذكر، وهذا أمر غريب لم يحدث من قبل، لذلك جاءت الاتفاقية بتفسيرات مطاطية، مكنت لإثيوبيا تفسير الاتفاقية بالشكل الذي يخدم مصالحها، ولذا تفعل ما تفعله لأن الكلمات التفسيرية كلها مطاطة.


ماذا لو نجحت إثيوبيا في الملء الثاني للسد؟


—- إذا نجحت إثيوبيا في الملء الثاني فسيكون السد حاميًا لنفسه، ولن تحتاج إثيوبيا وضع منصة صواريخ مثلُا لحمايته، لأنه سيكون أمامه 18 مليار متر مكعب، وفي حالة استخدام مصر أو السودان أي عمل عسكري ضد السد، فسيكون الثمن تدمير الدولة السودانية، فـ18 مليار متر مكعب هؤلاء كفيلين بإغراق جزء كبير من السودان وقتل الملايين غرقًا.


لذلك نجاج إثيوبيا في الملء الثاني، يعني فقدان مصر والسودان خيار التدخل العسكري للأبد، وسيكون فرصة التدخل فقط هو لحماية بقاء سد النهضة، لأن انهياره قد يؤدي لزوال دولة السودان، لذا فالأيام التي تسبق الملء الثاني، تمثل العد التنازلي لقدرة مصر والسودان على الحل العسكري.

شاهد أيضاً

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيره المصري تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله، وزير الخارجية السعودي، خلال اتصال هاتفي، اليوم، مع نظيره المصري، سامح شكري، تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، وذلك في إطار التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين الشقيقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *