الأربعاء , أكتوبر 20 2021
الرئيسية / آراء وتحليلات / مجاعة قتلت ربع شعب كازاخستان .. جريمة تغافل عنها التاريخ

مجاعة قتلت ربع شعب كازاخستان .. جريمة تغافل عنها التاريخ

بقلم- هشام حبيب

لا استطيع أن أنكر حبي لروسيا التى درست لغتها وأدبها العظيم. كما أن بلادي كانت ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الاتحاد السوفيتي السابق ومن بعده روسيا الاتحادية.

فقد ساعد الاتحاد السوفيتى مصر فى تنفيذ ما يقارب 100 مشروع صناعي ضخم على رأسها السد العالى بأسوان ومصنع الحديد والصلب في حلوان.

واليوم تساعد روسيا مصر فى بناء أول محطة للطاقة النووية. لا شك أن علاقات مصر وروسيا الآن فى أفضل حالاتها على الاطلاق.

ولكن بحكم اطلاعى على تاريخ كازاخستان، ولأننا يجب أن نكون موضوعيين عند دراسة التاريخ، لا يمكننى أن أتجاهل أو أخفى جريمة بشعة ارتكبها الاتحاد السوفيتى بحق كازاخستان فى ثلاثينيات القرن الماضى.

بالتأكيد أنكم سمعتم عن تاريخ المجاعات فى العالم ولعل أبرزها مجاعة هولندا التى راح ضحيتها 20,000 إنسان، ومجاعة بنغلاديش التى قضت على 27,000 إنسان، ومجاعة بروسيا الشرقية التى تسببت فى موت 250,000 إنسان، ومجاعة اليونان الكبرى التى أودت بحياة 300,000 إنسان وغيرها الكثير والكثير.

عزيزي القارئ، لا يمكننى أن أقلل من حجم تلك المآسي التى راح ضحيتها أناس أبرياء، ولكن ما حدث فى كازاخستان لا يمكن مقارنته بأى دولة أخرى. لقد تعرضت كازاخستان لمجاعة ضخمة فى الفترة بين عامي 1930 – 1933 أودت بحياة 1,5 مليون إنسان.

مجاعة كازاخستان (1933-1930)

قد يقول أحدهم أن هذا رقم هين مقارنة بمجاعة الصين الكبرى التى راح ضحيتها على أقل تقدير 15 مليون نسمة فى ستينيات القرن الماضى. ولكن عزيزي القارئ، عليك أن تنتبه أن مجاعة الصين أودت بحياة 15 مليون من أصل 650 مليون نسمة (2,3 من سكان الصين فى ذلك الوقت)، بينما تسببت مجاعة كازاخستان فى وفاة 1,5 مليون إنسان من أصل 6 ملايين إنسان (25 % من سكان كازاخستان). هل لك أن تتخيل أن بلد قد فقدت ربع سكانها خلال 3 سنوات فقط!

ربما علينا أن نتوقف هنا للحظات لكى ندرك حجم الكارثة التى عانت منها كازاخستان. وفقا للإحصاءات الرسمية الكازاخية، فقد بلغ إجمالى عدد سكان البلاد قبل بداية المجاعة ما يقارب 6 ملايين نسمة، وعندما قامت السلطات بإعادة الاحصاءات بعد انتهاء المجاعة، تبين أن عدد السكان قد انخفض بشكل مريع إلى 4,5 مليون نسمة فقط. تسببت تلك الكارثة في تغييرات اجتماعية وديموغرافية وبيئية عميقة تعانى منها كازاخستان حتى يومنا هذا.

النساء والأطفال أثناء المجاعة

كيف بدأت المجاعة؟

في أواخر العشرينيات من القرن الماضي، بدأ الحصاد القسري للحبوب واللحوم في كازاخستان. فى فبراير 1929، أصدر فيليب غولوشكين، سكرتير اللجنة الإقليمية الكازاخية بالحزب الشيوعى السوفيتي قرارًا يمنحه الحق في اتخاذ قرارات خاصة بشأن إنتاج الحبوب. لم يكن غولوشكين مدركا لطبيعة الوضع فى كازاخستان. فقد أجبر الرعاة الرحل، الذين لم يعملوا أبدا فى الزراعة، على جمع الحبوب بالإكراه والعقاب. بالإضافة إلى ذلك كان الكازاخ الذين لا يعملون بالزراعة مجبرين على دفع ضريبة الحبوب للسلطات السوفيتية، وفى حالة عدم قدرتهم على الدفع، كان السوفييت يستولون على ماشيتهم والسلع الغذائية التى يقومون بتخزينها.

كما تم تنفيذ التجميع القسرى للبدو الرحل ومزارعهم من خلال أوامر وتعليمات من أعلى دون أى اعتبار للظروف المحلية فى كازاخستان. قبل بدء التجميع كان هناك 1,2 مليون مزرعة فى كازاخستان وبعد انتهاءه تقلص عدد المزارع إلى 628 ألفًا فقط.

كان الهدف المعلن من هذه المزارع الجماعية هو أن تعمل كجزء من اقتصاد زراعي رعوي، يجمع بين تربية الماشية والزراعة. ولكن كان الهدف الحقيقي منها هو السيطرة على المجتمع الكازاخى البدوي وقمعه، والقضاء على النخب الوطنية في الريفي الكازاخى ومصادرة ممتلكاتهم وترحيلهم.

هل كانت المجاعة نتيجة عوامل طبيعية أم أنها صنيعة السوفييت؟

لم يكن الجفاف شديد في كازاخستان في ذلك الوقت. يرى الكثير من المؤرخين أن المجاعة كانت مدبرة من الزعيم السوفيتي ستالين وأن موسكو سعت إلى استخدام الجوع كوسيلة من أجل اخضاع الكازاخ للسلطة السوفيتية. بينما يذهب آخرون إلى أكثر من ذلك ويعتقدون أن المجاعة كانت إبادة جماعية متعمدة للشعب الكازاخي من قبل السلطات السوفيتية.

ما هى الأسباب الرئيسية للمجاعة الكازاخية؟

تمثلت الأسباب الرئيسية للمجاعة فى اصرار السوفييت على إنشاء المزارع الجماعية، والحيازة القسرية للحصاد، والتخطيط الاقتصادي السيء وقمع الفلاحين في الريف والرعاة الرحل فى السهوب. كما تمت مصادرة ملايين رؤوس من الماشية.

قام السوفييت بترحيل الفلاحين قسراً إلى المزارع الجماعية. تلخص الفكر السوفيتي فى ذلك الوقت فى أن الإدارة الفردية أدت إلى ظهور غرائز الملكية الخاصة ولكن إذا كان الشخص يعمل في اقتصاد جماعي، فسيكرس نفسه للقوة السوفيتية. ولكن تسبب التنظيم السيئ للعمل في المزارع الجماعية في خسائر بشرية ضخمة.

حتى الماشية لم تسلم من المجاعة

لم يكن البدو الرحل معتادين على الزراعة. لذلك عانى الشعب الكازاخى من الجوع أكثر من الشعوب المستقرة. أصبح من الواضح أن الجماعية لم تعط النتيجة المتوقعة. تم إرسال رسائل من كازاخستان إلى موسكو تفيد بأن خطة غولوشكين لم تؤت ثمارها، بل على العكس، أدت إلى جوع رهيب.

أدت المجاعة إلى انخفاض معدلات الزراعة بشكل كبير وتبع ذلك تدهور ملحوظ فى الثروة الحيوانية. كان عدد رؤوس الماشية فى كازاخستان يبلغ قبل المجاعة حوالى 40,5 مليون رأس. انخفض هذا العدد إلى 4,5 مليون رأس ماشية بعد انتهاء المجاعة. فقدت كازاخستان 90% من الماشية. نفقت ملايين الملايين من رؤوس الماشية بسبب قسوة المجاعة. على سبيل المثال، إذا كان لدى أحد الكازاخ 10 بقرات قبل المجاعة، فقد هذا الرجل 9 بقرات ولم يتبقى له سوى بقرة واحدة فقط. لقد كانت المجاعة الكازاخية كارثة اقتصادية لا يمكن تصورها.

الهجرة الأبدية من الوطن الأم

طبقا للعديد من المصادر التاريخية، غادر أكثر من 1,1 مليون كازاخي أراضيهم هربا من المجاعة المميتة. لقد فروا إلى الجمهوريات السوفيتية المجاورة وكذلك إلى الصين. اضطرتهم المجاعة إلى ترك أراضيهم وأهاليهم وأحبائهم هربا من الموت المحقق ولم يتمكن أغلبهم من العودة إلى ديارهم مرة أخرى.

لم تكن الهجرة ممكنة دائمًا. كان على البدوي الذى لا يمتلك حصان أو جمل أن يقطع مسافة شاسعة تصل إلى عدة مئات أو حتى آلاف الكيلومترات هربا من المجاعة. كانت السهوب الشاسعة مصيدة للموت. وإذا نجح الكازاخي فى تخطى صعوبات الطريق، فكان من الصعب عليه تجنب رصاصات الجنود السوفييت الذين سعوا إلى منعه من الهروب من الموت. كان أمام الكازاخ خيارين لا ثالث لهما: إما الموت من الجوع أو الموت من الرصاص. لقد اتسمت المجاعة الكازاخية بوحشية لا يتصورها عقل.

هجرة الكازاخ هربا من المجاعة

كما ارتبطت هذه الهجرات بتفشي الكثير من الأمراض كالتيفود، والجدرى، والسل، والزهري، الأمر الذي وصل إلى نسب مدمرة وتسبب في وفاة نحو 25 ٪ من سكان كازاخستان.

مشاهد قاسية من المجاعة

كان مبعوثو السلطات السوفيتية يزورون مناطق المجاعات طوال السنوات الثلاث وسجلوا خلال جولاتهم فى السهوب الكازاخية الآثار المدمرة للمجاعة على الشعب الكازاخي. كانت هناك جثث ملقاة فى كل الأنحاء لم يتم دفنها، كما عانى النساء والأطفال من الجوع حتى الموت. لقد كانت إبادة جماعية بلا شك.

أطفال المجاعة في كازاخستان

معدلات وفاة مخيفة


خلال فترة المجاعة كان هناك معدل مرتفع للغاية لوفيات الرضع والنساء. قال العديد من الأشخاص الذين نجوا من المجاعة أنه في بعض العائلات، من بين كل عشرة أطفال، بقي طفل واحد فقط على قيد الحياة. كانت الرعاية الصحية في كازاخستان قريبة من الصفر وكانت أغلب الوفيات بين النساء والأطفال.

كيف انتهت المجاعة؟ وماذا فعلت موسكو؟

تذكر بعض الأرشيفات السوفيتية، التى تم رفع السرية عنها مؤخرا، أن ستالين كان على اتصال دائم بغولوشكين وأنه كان على علم بحجم الضرر الذى لحق بالكازاخ لكنه لم يقدم أي تساهل. وبعد مرور ثلاث سنوات، بدأ السوفييت السماح للكازاخ بالملكية الخاصة للماشية وقدموا المساعدات الغذائية لهم. ومن أجل الإفلات من المسؤولية وتبرئة نفسها من التسبب فى هذه الكارثة الإنسانية، قامت موسكو بعزل غولوشكين واتهمته بارتكاب عدد من “الأخطاء” أثناء قيادته لكازاخستان.

فيليب غولوشكين

ولم يجرأ أى كاتب أو مؤرخ سوفيتي على الحديث عن المجاعة الكازاخية على الإطلاق حتى انهيار الاتحاد السوفيتى عام 1991. كان الحديث عن المجاعة الكازاخية من المحرمات فى الصحافة والإعلام وفى كل مكان. كل من حاولوا مجرد الكتابة عن المجاعة ومناقشة أسبابها، تم تقديمهم للمحاكمة بموجب المادة 58 بتهمة التحريض ضد السوفييت وتلقوا عقوبات وصلت فى بعض الأحيان إلى الإعدام.

العواقب الديموغرافية للمجاعة الكازاخية

كما تعلمون يبلغ عدد سكان كازاخستان الآن 19 مليون نسمة فقط، يعيشون فى بلد تتجاوز مساحتها 2,7 مليون كم2. وهنا يظهر سؤال مهم للغاية: إذا لم تحدث هذه المجاعة من البداية، لكان عدد مواطنى كازاخستان أكبر مما هو عليه الآن؟ والإجابة البديهية هى نعم بالتأكيد. من المعروف تاريخيا أن الكازاخ كانوا من أكثر شعوب الاتحاد السوفيتى عددا وتجاوز عددهم 6 ملايين نسمة كما ذكرت آنفا. يرى بعض المؤرخين الكازاخ والأجانب أن المجاعة لم يكن هدفها فقط إخضاع المجتمع الكازاخي للسلطة السوفيتية المطلقة وهو ما تحقق بالفعل، ولكن أيضا سعى السوفييت من خلال المجاعة إلى القضاء على العرق الكازاخى. قضت المجاعة على 1,5 مليون إنسان من بينهم 1,3 مليون كازاخي. لم تكن إبادة جماعية فحسب بل كانت تطهيرا عرقيا للكازاخ.

حقق السوفييت هدفهم ودفع الكازاخ الثمن الأكبر

فى النهاية حققت موسكو هدفها من المجاعة الكازاخية ونجحت فى إنشاء كازاخستان السوفيتية وجعلها جزءًا لا يتجزأ من النظام الاقتصادي السوفيتي. كما نجحت فى تدمير الروابط الأسرية وتغيير نمط حياة البدو الرحل إلى الأبد.

ولكن يبقى سؤال أخير أتمنى أن أجد له إجابة. ألم يكن لدى ستالين أى وسيلة أخرى لتنفيذ خطته سوى التسبب فى قتل 1,5 مليون إنسان ذنبهم الوحيد أنهم كازاخ، ونفوق أكثر من 36 مليون رأس ماشية كانت تُرعى فى السهوب الكازاخية فى ذلك الوقت؟

جوزيف ستالين

شاهد أيضاً

صدر مؤخرًا.. “أدب المهجر في كتابات المستشرقين.. عايدة إيمان قولييفا نموذجًا”

آسيا اليوم صدر مرخرًا وتحت رعاية سفارة أذربيجان بالقاهرة كتاب “أدب المهجر في كتابات الم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *